حسن حسني عبد الوهاب

59

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

يجتمعوا فيه ، وأدّب جماعة منهم بعد أن خالفوا أمره " " 1 " . ومن ذلك الحين تمحّض جامع عقبة لتعليم أصول الشريعة لجماعة السنّة دون سواهم ، واستمرت دراسة العلوم العربية والأدبية تدرس به ، وكانت الحلق مكتظّة بالطلبة من سائر أنحاء إفريقية والمغرب والأندلس وحتى من السودان الغربي ، على نمط ما نعرفه في الجامع الأزهر بالقاهرة ، وجامع الزيتونة بتونس ، والقرويّين بفاس . ذكر القاضي عياض : " أن يحيى بن عمر الكنانيّ كان يجلس في الجامع للإقراء ، وينصب له كرسي يجلس عليه ليسمع من بعد من الناس ، لكثرة من يحضر مجلسه " " 2 " . بيد أنه لما حكم بنو عبيد الفاطميون البلاد وأظهروا نحلتهم الشيعية علانية أمروا بتعطيل تعليم أصول الشريعة على مذاهب السنّة ، ومنعوا شيوخ القيروان من إلقاء دروسهم في جامع عقبة ، اللّهمّ إلا دروس اللغة العربية وما ليس له مساس بالعقائد ، فركن شيوخ المالكية والحنفية إلى إقراء تلاميذهم تلك العلوم في بيوتهم ودكاكين حرفهم . قال الدباغ : " كان ربيع القطّان - المتوفى سنة 333 ه - ملتزما الإقراء في الحانوت الذي يبيع فيه القطن ، وفيه كان يأتيه من يدرس عليه من الطلبة أو من يسأله ويستفتيه " " 3 " . لكن بمجرد نزوح الملوك الفاطميين إلى مصر ، بعد امتلاكهم إيّاها ، عادت الدراسة السنيّة إلى ما كانت عليه قبل . والواقع أن جامع عقبة لم يكن بيتا للصلاة ومعهدا للتعليم فحسب ، بل ربما من أخص وظائفه أن كان المركز الكبير للحياة الاجتماعية في البلاد ، ففيه كان يعقد الأمراء من أغالبة وصنهاجيين الاجتماعات العمومية لأخذ رأي الأمة في

--> ( 1 ) طبقات أبي العرب ص 102 - والمدارك 1 : 201 [ 4 : 60 ] - ومعالم الإيمان 2 : 55 [ 2 : 87 - 88 ] . ( 2 ) المدارك 2 : 10 [ 4 : 361 ] . ( 3 ) معالم الإيمان 3 : 29 [ 3 : 30 ] .